المقريزي

208

المقفى الكبير

لا ما تسمع وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [ الرعد : 42 ] . ولمّا تجهّز المعتصم لغزو عمّوريّة حكم المنجّمون على ذلك الوقت أنّه لا يرجع من غزوة ، فإن رجع كان مفلولا خائبا لأنّه خرج في وقت نحس ، فكان من فتحه العظيم وظفره ما كان . فقال أبو تمّام في ذلك قصيدة أوّلها [ البسيط ] : السيف أصدق أنباء من الكتب * في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب والعلم في شهب الأرماح لامعة * بين الخميسين لا في السبعة الشهب أين الرواية ، أم أين النجوم ، وما * صاغوه من زخرف فيها ومن كذب ؟ تخرّصا وأحاديثا ملفّقة * ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب عجائبا زعموا الأيّام مجفلة * عنهنّ في صفر الأصفار أو رجب وخوّفوا الناس من دهياء مظلمة * إذا بدا الكوكب الغربيّ ذو الذنب وصيّروا الأبرج العليا مرتّبة * ما كان منقلبا أو غير منقلب يقضون بالأمر عنها ، وهي غافلة * ما دار في فلك منها وفي قطب لو بيّنّت قطّ أمرا قبل موقعه * لم تخف ما حلّ بالأوثان والصلب وقال يحيى بن معاذ : كنت أنا ويحيى بن أكثم نسير مع المعتصم ، وهو يريد بلاد الروم ، فمرّرنا براهب في صومعة ، فوقفنا عليه فقلنا : أيها الراهب ، أترى هذا الملك يدخل عمّوريّة ؟ فقال : لا ، إنّما يدخلها ملك أكثر أصحابه أولاد زنا . فأتينا المعتصم فأخبرناه ، فقال : أنا واللّه صاحبها : أكثر جندي أولاد زنا ، إنما هم أتراك وأعاجم . وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : سمعت المعتصم يقول : إذا لم يعدّ الوالي للأمور أقرانها قبل نزولها أطبقت عليه ظلم الجهالة . [ قوّة بدنه ] وقال أحمد بن أبي دؤاد : كان المعتصم يخرج ساعده إليّ ويقول : يا أبا عبد اللّه ، عضّ ساعدي بأكثر من قوّتك ! فأقول : واللّه يا أمير المؤمنين ، ما تطيب نفسي بذلك . فيقول : إنّه لا يضرّني . فأروم ذلك ، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنّة [ 186 أ ] فضلا عن الأسنان . وانصرف يوما من دار المأمون إلى داره ، وكان شارع الميدان منتظما بالخيم فيها الجند . فمرّ بامرأة تبكي وتقول : ابني ! ابني ! - وإذا ببعض الجند قد أخذ ابنها . فدعاه وأمره بردّ ابنها عليها ، فأبى . فاستدناه فدنا منه ، فقبض عليه بيده فسمع صوت عظامه ، ثمّ أطلقه من يده فسقط . وأمر بإخراج الصبيّ إلى أمّه . وجعل زند رجل بين إصبعيه فكسره . وذكر أحمد بن أبي دؤاد المعتصم يوما [ ف ] أسهب في ذكره ، وأكثر من وصفه ، وأطنب في فضله ، وذكر من سعة أخلاقه ، وكرم أعلاقه ، وطيب مركبه ، ولين جانبه ، وجميل عشرته ، ورضيّ أفعاله ، وقال : قال لي يوما وكنت بعمّوريّة : ما تقول يا أبا عبد اللّه في البسر ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، نحن ببلاد الروم ،